محمد بن جرير الطبري
173
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الْمُجْرِمُونَ النَّارَ يقول : وعاين المشركون النار يومئذ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها يقول : فعلموا أنهم داخلوها ، كما : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها قال : علموا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني عمرو بن الحارث ، عن دراج ، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : " إن الكافر يرى جهنم فيظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة " . وقوله : وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً يقول : ولم يجدوا عن النار التي رأوا معدلا يعدلون عنها إليه . يقول : لم يجدوا من مواقعتها بدا ، لأن الله قد حتم عليهم ذلك . ومن المصرف بمعنى المعدل قول أبي كبير الهذلي : أزهير هل عن شيبة من مصرف * أم لا خلود لباذل متكلف القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا يقول عز ذكره : ولقد مثلنا في هذا القرآن للناس من كل مثل ، ووعظناهم فيه من كل عظة ، واحتججنا عليهم فيه بكل حجة ليتذكروا فينيبوا ، ويعتبروا فيتعظوا ، وينزجروا عما هم عليه مقيمون من الشرك بالله وعبادة الأوثان وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا يقول : وكان الإنسان أكثر شيء مراء وخصومة ، لا ينيب لحق ، ولا ينزجر لموعظة ، كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا قال : الجدل : الخصومة ، خصومة القوم لأنبيائهم ، وردهم عليهم ما جاءوا به . وقرأ : ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وقرأ : يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ . وقرأ : " حتى توفي " الآية : وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ الآية . وقرأ : وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ قال : هم ليس أنت لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ القول في تأويل تعالى : وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا يقول عز ذكره : وما منع هؤلاء المشركين يا محمد الإيمان بالله إذ جاءهم الهدى بيان الله ، وعلموا صحة ما تدعوهم إليه وحقيقته ، والاستغفار مما هم عليه مقيمون من شركهم ، إلا مجيئهم سنتنا في أمثالهم من الأمم المكذبة رسلها قبلهم ، أو إتيانهم العذاب قبلا . واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معناه : أو يأتيهم العذاب فجأة . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا قال فجأة . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . وقال آخرون : معناه : أو يأتيهم العذاب عيانا . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا قال : قبلا معاينة ذلك القبل . وقد اختلف القراء في قراءة ذلك ، فقرأته جماعة ذات عدد أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا بضم القاف والباء ، بمعنى أنه يأتيهم من العذاب ألوان وضروب ، ووجهوا القبل إلى جمع قبيل ، كما يجمع القتيل القتل ، والجديد الجدد . وقرأ جماعة أخرى : " أو يأتيهم العذاب قبلا " بكسر القاف وفتع الباء ، بمعنى أو يأتيهم العذاب عيانا من قولهم : كلمته قبلا . وقد بينت القول في ذلك في سورة الأنعام بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى : وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا يقول عز ذكره : وما نرسل إلا ليبشروا أهل الإيمان والتصديق بالله بجزيل ثوابه في الآخرة ، ولينذروا أهل الكفر به والتكذيب ، عظيم عقابه ، وأليم عذابه ، فينتهوا عن